جديد الموقع

موقف النبي (ص) من مستقبل الرسالة - فرضيات خلافة النبي (ص) - الفرضية الاولى والثانية

موقف النبي (ص) من مستقبل الرسالة - فرضيات خلافة النبي (ص) - الفرضية الاولى والثانية

موقف النبي من مستقبل الرسالة

 

الدين الإسلامي خاتم الأديان، ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله) خاتم النبيّين، والقرآن هو الحلقة الأخيرة في كُتب السماء؛ وبهذا فالإسلام شامل لكلّ زمان ومكان.

لقد نهض النبي (صلَّى الله عليه وآله) بحمل راية دين اكتسى لون الأبديّة، لا يتخطّاه الزمان، ولن يقوي على طيِّ سجلّ حياته وتَجاوُزه. هذا من ناحية.

ومن ناحية أُخرى يُعلمنا قانون الوجود وناموس الخليقة أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إنسان كبقيّة الناس، له حياة ظاهريّة محدودة، وهذا القرآن يُعلن صراحة أنّ الموت يُدركه كما يُدرك الآخرين: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ  .

وهو (صلَّى الله عليه وآله) يضطلع برسالة إبلاغ تعاليم الدين وهدي السماء، كما يتبوّأ أيضاً مسؤوليّة قيادة المجتمع وزعامته؛ ومن ثَمّ فهو يجمع بين المرجعيّة الفكريّة للأمّة وبين القيادة السياسيّة.

وعلى هذا؛ سنكون أمام سؤال جادّ وخطير لا يمكن تخطّيه بسهولة، بالأخصّ بعد أن تحوّل إلى هاجس يُثير اهتمام أعلام المسلمين ومفكّريهم علي مرّ التاريخ، والسؤال هو: ما دامت الحياة ستنتهي بهذا القائد الربّانيّ الفذّ بعد سنوات الدعوة والجهاد إلى الموت، وما دام النبي سيرحل صوب الرفيق الأعلى ملبّياً نداء ربّه، فما الذي دبّره لمستقبل هذا الدين الباقي على مدي الزمان؟ وماذا فعل لتأمين مستقبل دعوته وضمان ديمومة رسالته؟ هل حدّد خياراً خاصّاً للمستقبل؟ أم أنّه لم يفكّر بذلك قط، وترك الأمر برمّته إلى الأمّة؟

كثرت كتابات المسلمين علماء ومحدّثين ومتكلّمين عن هذا الموضوع، وانتهوا إلى نظريّات متعدّدة (١) ، وما يُلحظ أنّ هذا الاتّجاه التنظيري سعى إلى تثبيت وقائع التاريخ الإسلامي وتحويلها إلى معيار أشادوا على أساسه أُصولاً ومرتكزات.

____________________

(١) أفرز الجهد التنظيري لمتكلّمي المسلمين ومفكّريهم - وما يزال - عدداً من النظريّات حيال موضوع الإمامة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، مثل (الإجماع) و(البيعة) و(الاختيار وانتخاب الأمّة) و(الغلبة والشوكة) و(تعيين أهل الحلِّ والعقد) و(نظرية النصّ) ممّا سنأتي على استعراضه ودراسته ونقده في مدخل (الإمامة الخاصّة) من موسوعة (ميزان الحكمة).

لمزيد الاطّلاع على النظريّات المذكورة راجع: الأحكام السلطانيّة للماوردي: ١٥، والأحكام السلطانيّة للفرّاء: ٤٤٠، ونظام الحكم في الشريعة والتاريخ الإسلامي: ١٢١، والنظام السياسي في الإسلام، رأى الشيعة، رأى السنّة، حكم الشرع: ٢٣، والإمامة وأهل البيت: ١/٥٠.

 

لكن أين تكمن الحقيقة؟! يقضي التدبّر العميق في الموضوع، ودراسة حياة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بشمول، إلى أنّ الموقف النبوي من مستقبل الرسالة لا يخرج عن أحد احتمالات ثلاث، هي:

 

١ - إنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) أغضى عن مستقبل الدعوة، وأهمل الأمر تماماً، من دون أن ينطق بشيء للأمَّة.

٢ - إنّه (صلَّى الله عليه وآله) عهد بمستقبل الرسالة إلى الأمّة، وأمر جيل الصحابة أن ينهض بمهمّة تدبير أمر الدعوة من بعده.

٣ - إنّه (صلَّى الله عليه وآله) ارتكز إلى مبدأ النصّ الصريح في تدبير المستقبل، والتخطيط لشؤون الرسالة، ومن ثَمّ أعلن صراحة عن الشخص الذي يتبوّأ مسؤوليّة هداية الأمّة من بعده، ويضطلع بدور قيادة المجتمع الإسلامي.

 

لندرس الآن هذه الفرضيّات الثلاث ونتناولها من خلال البحث والتحليل:

 

الفرضية الأُولى - السكوت إزاء المستقبل 

تواجه هذه الفرضيّة فيضاً من الأسئلة، منها: ما الذي دعا النبي (صلَّى الله عليه وآله) إلى عدم التفكير بمشروع محدّد لمستقبل الدعوة؟ وما الذي أملى عليه السكوت عن مستقبل الأمّة؟ ثمّ ما هي طبيعة الفكر الذي يمكن أن ينبثق منه موقف مثل هذا، ويُفرِز لدى القائد مثل هذه السلبيّة؟

يمكن تأسيس هذه السلبيّة وتفسيرها كموقف نبوي مفترض، على ضوء فرضيّتين مسبقتين يستوطنان ذهن القائد ويستحوذان عليه. والآن لنستعرض المسبقتين الذهنيّتين المفترضتين، كى نتبيّن قدر منطقيّتهما، ومدي انسجامهما مع المعايير العقلانيّة:

 

١ - الإحساس بالأمن وانتفاء الخطر:

بمعني أنّ القائد لا يشعر بوجود أىّ خطر يدهم الأمّة، وانتفاء أىّ تيّار يكون بمقدوره أن يُزلزل إيمان الناس ويؤثّر علي قناعاتها، ومن ثَمّ فإنّ هذه الأمّة التي توشك أن ترث الرسالة الإسلاميّة، ستنجح في إيجاد مشروع لإدارة المجتمع، وضمان ديمومة الرسالة.

والسؤال: هل يصحّ مثل هذا التصوّر؟

إنّ الوقائع الحقيقيّة لمجتمع الصدر الأوّل، تُسفر بوضوح عن عدم صواب هذا التصوّر، وأنّ هناك أخطاراً جذريّة جادّة كانت تتهدّد المجتمع الإسلامي آنئذٍ، وتوشك أن تعصف بكيانه، وهى:

 

أ: الفراغ القيادي:

لم يكن قد مرّ وقت طويل على تأسيس الأبعاد الثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة للمجتمع الذي أسّسه النبي (صلَّى الله عليه وآله)، ومن ثَمّ كان النبي القائد يُمسك بنفسه أزمّة الثقافة والسياسة والقضاء في هذا المجتمع.

على صعيد آخر، حالت الحروب المتوالية وأجواء المواجهة الدائمة، دون أن يتمكّن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من تعميم ثقافة الرسالة، ونفوذ معاييرها في واقع ذلك المجتمع، وعلى مستوى جميع الأبعاد، فما أكثر مَن حمل عنوان الصحبة وهو لم يتوفّر بعدُ على تصوّر عميق ودقيق لمبادئ الدين، ولم ينطوِ على معرفة وافية بشخصيّة النبي وأبعاد الرسالة.

إنّ مجتمعاً كهذا حريٌ به أن يواجه الزلزال، ويُصبح على شفا أزمة عاصفة في اللحظة التي يختفي بها القائد، وتُحيطه أجواء محمومة يكتنفها الاضطراب من كلّ جانب، مجتمع كهذا حريٌ به أن يفقد قدرته على اتّخاذ القرار الصائب، ولا يلبث أن يقع في الشباك المترصّدة، ومن ثَمّ يصير طعمة سائغة لألاعيب الساسة وأحابيلهم.

فيا ترى، هل يمكن مع هذا الواقع المتردّي - الذي سجّل له التاريخ أمثلة عمليّة كثيرة - أن نتصوّر الرسول القائد (صلَّى الله عليه وآله) يختار السلبيّة، ويترك مثل هذا المجتمع للمجهول، ويدع تحديد مصيره إليه، دون أن يحمل همّ المستقبل؟!

 

ب - عدم نضج المجتمع:

ركّزنا في نهاية النقطة السابقة على أنّ ورثة هذه الرسالة التغييريّة الشاملة لا يتمتّعون بقاعدة فكريّة وسياسيّة صلبة، تسمح لهم أن يفكّروا بالمستقبل، ويتدبّروا أمره بشكل هادئ رصين، فبقايا الجاهليّة لا تزال تملك أقداماً راسخة، ولا تزال العصبيّات القبليّة تستأثر بنفوذ كبير في وجودهم.

كما أشرنا إلى أنّهم لا يمتلكون الإدراك الكافي لمعرفة موقع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) والمكانة العليّة السامقة التي يحظى بها النبي، فهم تارة ينظرون إليه بشراً عاديّاً يتكلّم في الرضى والغضب (١) ، وأُخرى يحثّونه على التزام العدالة! وثالثة تثقل عليهم قراراته وما يأتي به - عن السماء - من أحكام حتى يستريبوا في أصل الرسالة! (٢).

فبعد هذا كلّه، هل من المنطقي أن يكلْ النبي القائد أزمّة الأمور ومستقبل الرسالة بيد مجتمع كهذا؟ ثمّ يمضي قرير العين إلى ربّه!

____________________

(١) المستدرك على الصحيحين: ١/١٨٧/٣٥٩، المصنّف لابن أبي شيبة: ٦/٢٢٩/٤.

(٢) راجع: القسم السادس/وقعة النهروان/دراسة حول المارقين وجذور انحرافهم، ولمزيد الاطّلاع على طبيعة تعامل الصحابة مع النبي (صلَّى الله عليه وآله) راجع: كتاب (النصّ والاجتهاد).

 

 

ج: المنافقون والتيّارات الهدّامة من الداخل:

اصطفّ كثيرون لمواجهة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ومناهضة رسالته، وهو في ذروة قوّته، وفي أثناء ممارسته لحاكميّته.

ومع أنّ هؤلاء كانوا يتظاهرون بالإيمان، إلاّ أنّهم  في باطنهم كانوا يعارضون دين الحقّ، ويسعون لإطفاء أنواره بكلّ ما أوتوا من جهد وقوّة.

إنّ هذه المواجهة يمكن أن تعدّ أوسع مدي وأشدَّ وطأة من دائرة عمل المنافقين؛ فهي تتخطّاها إلى تخوم أوسع كما تشهد على ذلك وقائع التاريخ، وكما سنُشير إليه في حينه، ومن ثمَّ هل يمكن أن يكون رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد أغضى عن ذلك؟ (١) وهل يجوز أن نتصوّر أنّ هذا القائد العظيم أهمل هذا - وغيره - وترك الأمّة هملاً من دون تدبير؟!

ينبغي أن يُضاف إلى هؤلاء تلك العناصر التي كانت حديثة عهد بالإسلام، حيث لم تدخل هذا الدين إلاّ بعد فتح مكّة، فهؤلاء لم تترسّخ حقائق الدين في نفوسهم بعدُ، ولم تتمكّن من وجودهم كما ينبغي؛ ومن ثمّ فهم عرضة للتغيير مع أوّل طارئ، ويمكن أن تقذفهم الأوضاع إلى طريق آخر، كما أثبتت ذلك التيّارات التي عصفت بالحياة الإسلاميّة بعد النبي.

____________________

(١) راجع: كتاب (المواجهة مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله))، بالأخصّ الباب الثالث، حيث استعرض فيه أبعاد هذه المواجهة، وأشار إلى مصاديقها على أساس المصادر التاريخيّة القديمة.

 

د: اليهود والقوي الأُخرى والأخطار الخارجيّة:

الإسلام دعوة انقلابيّة تتضمّن الهدم والبناء، فقد قوّضت حركة هذا الدين الأحابيل والخطط الشيطانيّة، شيّدت على أنقاضها بناءً جديداً.

لقد جاء النبي (صلَّى الله عليه وآله) برسالة تطمح أن تقود العالم، وتكون لها الكلمة الأخيرة في الحياة الإنسانيّة، ولمّا أدرك الأعداء هذا المعنى، دخلوا في مواجهة حامية مع الدين الجديد، سخّروا لها جميع قدراتهم، ولم يكفّوا عن مقارعته حتى الرمق الأخير، ولمّا تبيّن لهم أنّ لغة الصراع المباشر لم تعُد تُغني شيئاً، لجؤوا إلى المكيدة، وراحوا ينسجون المؤامرة تلو الأخرى مكراً بهذا الدين، وهذا واقع معروف لا يستريب به مَن له أدنى معرفة بالتاريخ الإسلامي.

أفيجوز بعد هذه المواجهات الحادّة والصراع المرير - مع اليهود والقبائل المشركة وبقيّة القوي المعادية (١) - أن يجنح بنا الخيال، فنتصوّر بأنّ هؤلاء ركنوا إلى الهدوء، وجنحوا إلى السلم، ولم يعُد لهم شأن بالإسلام ودعوته؟! وهل يصحّ لسياسيٍ فطن، ولقائد كيّس وبصير أن يُغضي عن كلّ هذا الواقع العدائي المتشابك من حول دعوته، ثمّ يمضي من دون أن يدبّر لحركته الفتيّة برنامجاً يصونها ويؤمّن لها المستقبل؟ ثمّ هل يكون رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قائداً خاض جميع هذه المواجهات، ثمّ يتصوّر أنّ أمّته امتلكت من الصلابة ما يُحصّنها من جميع هذه المكائد والأخطار، بحيث لم يعُد يخشى عليها من أحابيل هؤلاء، وإنّ مكر هؤلاء وقوّتهم قد تلاشت ولم تعُد تؤلّف خطراً ذا بال؟!

____________________

(١) راجع: كتاب (المواجهة مع رسول الله)، الباب الأوّل، الفصل الرابع والخامس.

 

٢ - السلبيّة إزاء المستقبل:

العنصر الثاني الذي يمكن أن يوجّه الفرضيّة الأُولى ويقدّم لها تفسيراً منطقياً، هي أن نفترض أنّ النبي القائد يدرك الأخطار التي تحفّ دعوته، ويتطلّع إلى أهميّة المستقبل بنحو جيّد، لكنّه مع ذلك لا يحاول تحصين الدعوة ضدّ تلك الأخطار؛ لأنّه يرى أنّ رسالته تنتهي بحياته، وهو يتحمّل مسؤوليّتها ما دام حيّاً، فإذا لم يعُد بين الناس، ولم يكن ثَمَّ خطر يتهدّد حياته، وإنّ ما يمكن أن تتعرّض له الدعوة من بعده لا يتعارض مع مصالحه الشخصيّة - وحاشاه - فلماذا يُبادر لحمايتها وتأمين مستقبلها؟ بل لِيدعها والأُمّة التي ترتبط بها بانتظار المصير المجهول!

أيليق هذا التصوّر بقائد واقعي، وسياسي فطن ورسالي مثابر؟! فكيف يصدَّق هذا على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ونفسُه الطهور لا تعرف الراحة في سبيل إعلاء كلمة الله، حتى تسلّيه السماء، ويأتيه النداء الربّانيّ يدعوه إلى الهدوء: طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ؟  .

وكيف يصدق ذلك على نبي الله، وهذه السماء تجسّم معاناته وما يبذله في سبيل هداية الناس: ... عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ! (٢) .

أوَ يجوز أن يُخامرنا مثل هذا التصوّر الذي يفترض السلبيّة واللا مبالاة، وقد بلغ من تفاني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وتضحيته من أجل الرسالة أنّه لم يترك تدبير أمرها إلى آخر لحظة من حياته، حيث كان ينادي بتجهيز جيش أُسامة ويحثّ عليه وهو على فراش الموت وقد ثقل عليه المرض؟!

أوَ لا تكفينا رزيّة (يوم الخميس) وقد طلب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في آخر لحظات حياته أن يأتوه بدواة وقلم كي يكتب للأمّة كتاباً لن تضلّ بعده أبداً؟! لنكفّ عن هذا التصوّر الواهي، ونعدّ ما يُزعم من سكوته عن مستقبل الأمّة جرأة على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ودعوى واهية لا تليق بمقام هذا العظيم، وحريٌّ بنا أن ننزّه ساحته عنها وعن أمثالها!

على ضوء ذلك كلّه، ليس من الممكن افتراض الموقف السلبي بحال من الأحوال.

وهكذا تسقط الفرضيّة الأُولى.


الفرضية الثانية - إيكال المستقبل إلى الإمة 

وهي أن نؤمن بأنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) لم يعيّن للأمّة قائد المستقبل، بل عهد قيادة الرسالة والقيمومة عليها إلى الأمّة؛ لكي يحدّد الجيل الطليعي من المهاجرين والأنصار طبيعة هذا المستقبل على أساس نظام الشورى.

والسؤال: هل يمكن الإقرار بهذا التصوّر؟ وإلى أيِّ مدى يتطابق مع الحقيقة؟

هناك عدد من النقاط التي تحفّ هذه الفرضية الغريبة، يمكن الإشارة لها كما يلي:

 

أ: لو كان النبي (صلَّى الله عليه وآله) قد اتّخذ من مستقبل الأمّة والرسالة مثل هذا الموقف، لكان حريّاً به أن يقوم بعمليّة توعية للأمّة بطبيعة نظام الشورى وحدوده ومكوّناته وضوابطه، والسبيل إلى تطبيقه وكلّ ما يمتّ إلى الموضوع بصلة، بالأخصّ وإنّ ما يزيد في أهمّية هذه العمليّة، أنّ المجتمع لم يكن قد عرف - حتى ذلك الوقت - نظام الشورى، ولم تكن قد تمّت تجربته في بنية الحكم وهيكليّته، فهل من المنطقي أن نزعم أنّ النبي القائد (صلَّى الله عليه وآله) أحال الأمّة في خيارها المستقبلي، وطبيعة القيادة التي تنتظرها، إلى أُسلوب غائم غير واضح، وغير محدّد المعالم والتفاصيل؟!

على أنّ الذي يدحض هذا التصوّر ويستبعده تماماً، هو موقف التيّار الذي طالب بالخلافة، ثمّ تبوّأ مقعدها؛ فكلّ الأرقام والشواهد في حياة هؤلاء تدلّ بصورة لا تقبل الشكّ أنّ أيَّ واحد من هؤلاء لم يستند إلى الشورى كميراث نبوي، ولم يستدلّ على صحّة موقفة بأنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) هو الذي اختار نظام الشورى للأمّة من بعده، وليس في حياتهم ما يُنبئ عن إيمانهم بالشورى وممارستهم لهما عمليّاً، فأبو بكر اتَّجه إلى (النصب) في تعيين البديل الذي يخلفه، أمّا عمر بن الخطّاب فلم يلجأ إلى خيار الشورى السداسيّة إلاّ بعد أن دفعته الضرورة لذلك؛ حيث لم يرَ البديل المناسب، وفى ذلك يقول وهو على فراش الموت: (لو أدركني أحد رجلين لجعلت هذا الأمر إليه ولوثقت به، سالم مولى أبي حذيفة، وأبي عبيدة بن الجرّاح (١) ، ولو كان سالم حيّاً ما جعلتها شورى) (٢) .

بهذا يتّضح أنّ هذه النظريّة لا تمتّ إلى واقع النبي (صلَّى الله عليه وآله) بصلة، بل هي ممّا أُنتج بعد ذلك بزمن، وتمّ صياغتها بمرور الوقت لتبرير ما وقع في صدر التاريخ الإسلامي وتصويبه، ومن ثمَّ فهي أقرب إلى تنظير ما بعد الوقوع (٣) .

____________________

(١) الطبقات الكبرى: ٣/٣٤٣.

(٢) أُسد الغابة: ٢/٣٨٣/١٨٩٢.

(٣) هنا تكمن ورطة الباحثين الإسلاميّين الذين كتبوا في نظام الحكم، فبعد أن نفى هؤلاء النصّ بعد النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وجنحوا إلى نظام الشورى الذي يعتقدون به، وعجزوا عن الاستناد إلى نصوص نبويّة تؤيّد اختيارهم النظري، راحوا يستشهدون بأمور لا تمتّ إلى هذه الرؤية بصلة قط. راجع علي سبيل المثال: كتاب (النظريّات السياسيّة الإسلاميّة)، و(فقه الشورى والاستشارة)، و(الشورى وأثرها في الديمقراطيّة).

 

ب: لو أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قد فكّر بطرح الشورى كخيار للمستقبل، ولو أنّه أراد إسناد المرجعيّة الفكريّة للرسالة والقيادة السياسيّة للأمّة إلى جيل الصحابة، لتحتّم أن يعبّئ هذا الجيل تعبئة فكريّة ورساليّة مكثّفة لكي يعدّه للمهمّة التي تنتظره، بالأخصّ إذا لاحظنا أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) كان قد بشّر بسقوط تيجان كسرى وقيصر، وانهيار الإمبراطوريّتين (الفارسيّة والروميّة)، وأنّ رسالته ستمتدّ في الزمان والمكان من دون أن تعرف الحواجز والحدود.

فهل كان الصحابة على مستوى من الدراية والعلم يؤهّلهم للنهوض بهذه المسؤوليّة الكبيرة؟ ما هي الحقيقة؟ وهل يمكن أن نتصوّر الصحابة على مستوى النهوض بهذه المسؤوليّة؟ هذا سؤال خطير لاحَ لكثيرين، ولا يمكن تجاوزه ببساطة؛ لأنّ الإغضاء عنه ينمّ عن ضرب من السذاجة واللا مبالاة في الأصول العقيديّة.

لقد كان الباحث مروان خليفات وواحداً من الذين لاحَ لهم هذا السؤال، فدفعه إلى البحث والتأمّل، ثمّ أثمرت جولته التي دفعته إلى النصوص الحديثيّة والتاريخيّة، وأسفرت عن نتيجة مهمّة جدّاً جديرة بالقراءة؛ حيث خصّص لها الفصل الثالث من الباب الثاني من كتابه.

وهذه خلاصة مكثّفة لما انتهي إليه:

* الصحابة يُقلّون السؤال ولا يروون إلاّ قليلاً ممّا سمعوه:

* وقد بذلوا جهدهم في منع تدوين الحديث، والحؤول دون انتشاره، بالإضافة إلى أنّهم لم يتلقّوا من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلاّ حقائق قليلة، لانشغالاتهم الكثيرة؛ حيث صرحوا بأنفسهم أنّه كان يلهيهم الصفق بالأسواق وغيره من الأشغال، ويحول بينهم وبين حقائق السنّة (١) .

____________________

(١) صحيح البخاري: ٦/٢٦٧٦/٦٩٢٠.

* من النتائج التي خرج بها البحث أنّ الصحابة كانوا كثيراً ما يُخطئون في النقل؛ فهم تارة ينقلون شطراً من الحديث، وتارة يأخذون الحديث عن مخبر وينسبونه إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وثالثة ينسَون ما سمعوه، وقد صرّحوا بذلك، ورابعة يُخطئون في الجواب، ثمّ يرجعون إلى الحقّ بتذكير الآخرين وهكذا.

كما انتهى حال الصحابة إلى أنّ مِن بينهم منافقين، كما هو عليه صريح القرآن، ومنهم مَن ارتدّ على عقبيه، ومنهم مَن يُساق إلى النار، كما جاء في صريح الصحيحين، عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).

أوَ بعد هذا يقال: إنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قد أسند المرجعيّة الفكريّة والقيادة السياسيّة إلى هذا الجيل، وجعله القيّم على رسالته، والمؤتمن على على الكتاب؟! (١) .

على ضوء هذا كلّه؛ لا ينبغي أن نتردّد لحظة في أنّ أطروحة إيكال أمر المستقبل إلى الأمّة أو نُخبها، وقصّة إسناد المرجعيّة الفكريّة والسياسيّة إلى الصحابة، لهي أطروحة نشأت بمرور الزمن؛ لتصويب الوقائع المُرّة التي عصفت بالحياة الإسلاميّة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وليس لها منشأ قط أو أساس يدلّ عليها في نصوص رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وحياته. وبهذا تسقط الفرضيّة الثانية.

لمتابعة الفرضية الثالثة انقر هنا 

Post on Facebook Add to your del.icio.us Digg this story StumbleUpon Twitter :شارك على
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

المزيد من المقالات

(16 منشور)

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha