جديد الموقع

حديث يوم الدار والانذار

حديث يوم الدار والانذار

موقف النبي (ص) من مستقبل الرسالة -الفرضية الثالثة\تحديد المستقبل والنص على الخلافة والامامة\حديث يوم الدار والانذار

نزل أمر السماء إلى رسول الله (ص)، يأمره أن يدعو عشيرته إلى الإسلام ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ )، فدعا النبي عشيرته، ولمّا اجتمعوا عند رسول الله (ص)، راح يعدّهم لتلقِّي ما دعاهم إليه، وبعد مقدّمات أبلغهم دعوته، ثمّ انعطف يقول: (فأيّكم يوآزرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم)، وفى بعض النصوص التاريخيّة: (خليفتي من بعدي).

لم يلبِّ للنبي (ص) دعوته من الحاضرين غير علي بن أبي طالب، الذي وثب من بين الجمع مجيباً النبي، فما كان من رسول الله (ص) بعد أن سمع جواب عليٍّ، إلاّ أن قال - على مسمع من الملأ -: (إنّ هذا أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم؛ فاسمعوا له وأطيعوا) .

 وهكذا أعلن النبي ولاية عليّ بن أبي طالب وإمامته، والدعوة لم تزل في أوّل يوم من أيّام مرحلتها العلنيّة.

لقد فَهِم الحاضرون في ذلك اليوم مغزى هذه الرسالة بوضوح، وأدركوا تماماً من كلام النبي (صلَّى الله عليه وآله) إمامة عليٍّ ولزوم طاعته، لذلك انبرى بعضهم مخاطباً أبا طالب: (قد أمرك أن تسمع لابنك وتُطيع!) . (راجع: تاريخ الطبري: ٢/٣١٩ والصحيح من سيرة النبي: ٣/٦١ حيث رصد عدداً كبيراً من مصادر هذه الواقعة) .

وهذه بعض الروايات عن هذه الحادثة من طرق السنة والشيعة :

 

 المؤازرة على الدعوة 

بدأت الدعوة سرّية، وامتدّت شيئاً فشيئاً فهوَت إليها أفئدة ثُلّة من الناس؛ إقبالاً منها على تلك الرسالة الحقّة. وكان عليّ (عليه السلام) أوّل من آمَن بها من الرجال، وشهد بنبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) ، ثمّ تبِعَه آخَرون....

وبعد ثلاث سنين نزلت الآية الكريمة: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ؛ إيذاناً ببدء الدعوة العلنيّة ابتداء بعشيرة النبيّ الأقربين.

فأمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عليّاً (عليه السلام) بإعداد الطعام وإقامة مأدَبة خاصّة؛ ليجتمع آل عبد المطّلب، فيبلّغهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) برسالته، وفي اليوم الأوّل تعذّر عليه ذلك؛ بسبب ضجيج أبي لهب ولَغَطِه، ثمّ أعاده عليهم في غدِ ذلك اليوم، وبعد فراغهم من الطعام بدأ كلامه بحمد الله تعالى، وقال:

 (إنّ الرائد لا يكذب أهله و...)

وانتهى كلامه، ولم ينهض مُعلناً عن متابعته ومرافقته (صلّى الله عليه وآله) والإيمان برسالته الإلهيّة إلاّ عليّ (عليه السلام)؛ حيث قام وصدَح بذلك، فأجلَسه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وتكرّر هذا الموقف للمرّة الثانية والثالثة، فقال (صلّى الله عليه وآله):

(اجلس؛ فأنت أخي ووزيري ووصيّي وخليفتي من بعدي)،

وخاطب الحاضرين بقوله:

(إنّ هذا أخي، ووصيّي، وخليفتي عليكم؛ فاسمعوا له وأطيعوه).

إلاّ أنّ ذوي الضمائر السود، والقلوب العليلة، والأبصار العُمي، والأسماع الصمّ لم يذعنوا لصوت الحقّ، ولجّوا وكابَروا وعتَوا عن الكلام النبويّ، بل إنّهم اتّخذوا أبا طالب سخريّاً. لكنّ الحقّ عَلا، وطار كلامه (صلّى الله عليه وآله) في الآفاق طلقاً من ذلك النطاق الضيّق، ورسخت هذه الحقيقة فضيلةً عُظمى إلى جانب فضائله (عليه السلام)، وتبلور سنَد متين؛ لإثبات ولايته إلى جانب عشرات الأسانيد الوثائقيّة، وأعلن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عمليّاً وحدة النبوّة والولاية في الاتّجاه والمسير وتلازمها، ودلّ الجميع في اليوم الأوّل من الجهْر بدعوته استمرار القيادة وامتدادها بعده، وأودع ذلك ذمّة التاريخ، والمهمّ هو تبيان موقع الكلام النبويّ.

وقال (صلّى الله عليه وآله) كلمته: (فاسمعوا له وأطيعوه) في وقت كانت قريش قد تصامّت عن سماع كلامه ولم تُعِرْه آذاناً صاغية، فمن البيِّن أنّ هذا الكلام كان للمستقبل وأجياله القادمة ممّن يقرّ بنبوّته (صلّى الله عليه وآله)، ويعتقد بحُجّية كلامه.

 

- الإمام عليّ (عليه السلام) :(لمّا نزلت هذه الآية علي رسول الله (صلّى الله عليه وآله): وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ دعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لي: يا عليّ، إنّ الله أمَرني أنْ أُنذِر عشيرتي الأقربين، فضُقتُ بذلك ذرعاً، وعرفت أنّي متى أُباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمتُّ عليه حتى جاءني جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّك إنْ لا تفعلْ ما تؤمَر به يعذّبك ربّك. فاصنع لنا صاعاً مِن طعام، واجعل عليه رِجْل شاة، واملأ لنا عُسّاً (١) من لبَن، ثمّ اجمع لي بني عبد المطّلب حتى أُكلّمهم وأبلّغهم ما أُمِرت به.

ففعلتَ ما أمَرني به، ثمّ دعوتهم له، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب وحمزة والعبّاس وأبو لهب، فلمّا اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلمّا وضعته تناول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حِذْيةً (٢) مِن اللحم، فشقّها بأسنانه، ثمّ ألقاها في نواحي الصَّحْفة (٣) .

ثمّ قال: خُذوا بسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة وما أرى إلاّ موضع أيديهم، وأيم الله الذي نفْسُ عليٍّ بيده، وإنْ كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمتُ لجميعهم.

ثمّ قال: اسقِ القوم، فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا منه حتى رووا منه جميعاً، وأيم الله إنْ كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلمّا أراد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنْ يكلّمهم بَدَره أبو لهب إلى الكلام، فقال: لَهَدّ (٤)ما سحرَكُم صاحبكم! فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال: الغدُ يا عليّ، إنّ هذا الرجل سبقَني إلى ما قد سمعت مِن القول، فتفرّق القوم قبل أنْ أُكلّمهم، فعُدْ لنا من الطعام بمِثل ما صنعت، ثمّ اجمعهم إليّ.

____________________

(١) العُسّ: القدح الكبير (النهاية: ٣ / ٢٣٦).

(٢) الحِذْية: أي قطعة. قيل: هي - بالكسر - ما قُطع من اللحم طولاً (النهاية: ١ / ٣٥٧).

(٣) الصَّحْفَة: إناء كالقَصْعة المبسوطة ونحوها (النهاية: ٣ / ١٣).

(٤) لَهَدّ: كلمة يُتعجّب بها (النهاية: ٥ / ٢٥٠).

قال: ففعلتُ، ثمّ جمعتهم ثمّ دعاني بالطعام فقرّبته لهم، ففعل كما فعل بالأمْس، فأكلوا حتى ما لهم بشيءٍ حاجة.

ثمّ قال: اسقِهم، فجئتهم بذلك العُسّ، فشربوا حتى رووا منه جميعاً، ثمّ تكلّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال: يا بني عبد المطّلب! إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به؛ إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أنْ أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أنْ يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحْجَم القوم عنها جميعاً، وقلت:... أنا يا نبيّ الله، أكون وزيرك عليه، فأخذ برقَبتي، ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أنْ تسمع لابنك وتطيع) (١) .

____________________

(١) تاريخ الطبري: ٢/٣١٩-٣٢١، تاريخ دمشق: ٤٢/٤٨/٨٣٨١، تفسير الطبري: ١١/الجزء١٩/١٢١، شرح نهج البلاغة: ١٣ / ٢١٠، شواهد التنزيل: ١ / ٤٨٦ / ٥١٤ كلّها عن عبد الله بن عبّاس وص ٥٤٣ / ٥٨٠ عن البراء من دون إسناد إلى المعصوم نحوه، الكامل في التاريخ: ١ / ٤٨٧، كنز العمّال: ١٣ / ١٣١ / ٣٦٤١٩ وص ١١٤ / ٣٦٣٧١، الأمالي للطوسي: ٥٨٢ / ١٢٠٦ عن عبد الله بن عبّاس وفيه (ووزيري) بعد (وصيّي)، تفسير فرات: ٣٠١ / ٣٠٦ وص ٢٩٩ / ٤٠٤ عن جعفر بن محمّد بن أحمد بن يوسف، مجمع البيان: ٧ / ٣٢٢ عن البراء بن عازب وكلاهما نحوه، بحار الأنوار: ٣٨ / ٢٢٣ / ٢٤، وراجع السيرة الحلبيّة: ١ / ٢٨٥، وتفسير القمّيّ: ٢ / ١٢٤، والإرشاد: ١ / ٤٨.

 

- عنه (عليه السلام): (لمّا نزلت: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ .. دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني عبد المطّلب وهُم إذ ذاك أربعون رجلاً، يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً، فقال: أيّكم يكون أخي ووصيّي ووارثي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي؟ فعرَض عليهم ذلك رجلاً رجلاً، كلّهم يأبى ذلك، حتى أتى علَيَّ، فقلت: أنا يا رسول الله، فقال: يا بني عبد المطّلب! هذا أخي ووارثي ووصيّي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي) (١) .

 

- شرح نهج البلاغة عن أبي جعفر الإسكافي: قد روي في الخبر الصحيح أنّه (صلّى الله عليه وآله) كلّفه (عليه السلام) في مبدأ الدعوة قبل ظهور كلمة الإسلام وانتشارها بمكّة أنْ يصنع له طعاماً، وأنْ يدعو له بني عبد المطّلب، فصنع له الطعام، ودعاهم له، فخرجوا ذلك اليوم، ولم يُنذرهم (صلّى الله عليه وآله)؛ لكلمة قالها عمّه أبو لهب، فكلّفه في اليوم الثاني أنْ يصنع مثل ذلك الطعام، وأنْ يدعوهم ثانية، فصنعه، ودعاهم فأكلوا.

ثمّ كلّمهم (صلّى الله عليه وآله) فدعاهم إلى الدين، ودعاه معهم؛ لأنّه من بني عبد المطّلب، ثمّ ضمن لمَن يؤازره منهم وينصره على قوله أنْ يجعله أخاه في الدين، ووصيّه بعد موته، وخليفته من بعده، فأمسكوا كلّهم وأجابه هو وحده، وقال: (أنا أنصرك على ما جئت به، وأوازرك وأُبايعك)، فقال لهم - لمّا رأى منهم الخذلان، ومنه النصر، وشاهد منهم المعصية ومنه الطاعة، وعايَن منهم الإباء ومنه الإجابة: (هذا أخي ووصيّي وخليفتي من بعدي)، فقاموا يسخرون ويضحكون، ويقولون لأبي طالب: أطِع ابنك؛ فقد أمّره عليك (٢) .

 

- الإرشاد: إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جمع خاصّة أهله وعشيرته في ابتداء الدعوة إلى الإسلام، فعرَض عليهم الإيمان، واستنصرهم على أهل الكُفر والعدوان، وضمِن لهم على ذلك الحظوة في الدنيا، والشرف وثواب الجنان، فلم يُجِبه أحد منهم إلاّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فنحَلَه بذلك تحقيق الأخوّة والوزارة والوصيّة والوراثة والخلافة، وأوجب له به الجنّة.

____________________

(١) علل الشرائع: ١٧٠ / ٢ عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، وراجع كنز العمّال: ١٣ / ١١٤ / ٣٦٣٧١.

(٢) شرح نهج البلاغة: ١٣ / ٢٤٤.

وذلك في حديث الدار، الذى أجمع على صحّته نُقّاد الآثار، حين جمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بني عبد المطّلب في دار أبي طالب، وهم أربعون رجلاً، يومئذ يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً فيما ذكره الرواة، وأمر أنْ يُصنع لهم فخذ شاة مع مُدّ من البُرّ، ويُعَدّ لهم صاعٌ من اللبن، وقد كان الرجل منهم معروفاً بأكل الجذْعة (١)في مقام واحد، ويشرب الفَرَق (٢) من الشراب في ذلك المقام، وأراد (عليه السلام) بإعداد قليل الطعام والشراب لجماعتهم إظهار الآية لهم في شبْعهم وريّهم ممّا كان لا يُشبِع الواحد منهم ولا يرويه.

ثمّ أمر بتقديمه لهم، فأكلت الجماعة كلّها من ذلك اليسير حتى تملّئوا منه، فلم يَبِن ما أكلوه منه وشربوه فيه؛ فبهرَهم بذلك، وبيّن لهم آية نبوّته، وعلامة صِدْقه ببرهان الله تعالى فيه.

ثمّ قال لهم بعد أنْ شبعوا من الطعام ورُووا من الشراب: (يا بني عبد المطّلب! إنّ الله بعثَني إلى الخلْق كافّة، وبعثني إليكم خاصّة، فقال عزّ وجلّ: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ، وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان، تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأُمم، وتدخلون بهما الجنّة، وتنجون بهما من النار: شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله، فمن يجِبْني إلى هذا الأمر ويؤازرني عليه وعلى القيام به، يكن أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي. فلم يُجِب أحد منهم).

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (فقمتُ بين يديه من بينهم... فقلت: أنا - يا رسول الله - أُؤازرك على هذا الأمر، فقال: اجلس، ثمّ أعاد القول على القوم ثانية فأُصمتوا،

____________________

(١) الجَذَع: من أسنان الدوابّ؛ وهو ما كان شابّاً فتيّاً (النهاية: ١ / ٢٥٠).

(٢) الفَرَق: مكيال يسع ستة عشر رِطلاً؛ وهي اثنا عشر مُدّاً (النهاية: ٣ / ٤٣٧).

 

وقمتُ فقلت مثل مقالَتي الأُولى، فقال: اجلس. ثمّ أعاد على القوم مقالته ثالثةً فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقلت: أنا أُؤازرك - يا رسول الله - على هذا الأمر، فقال: اجلس؛ فأنت أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي).

فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب: يا أبا طالب! لِيَهْنِك اليوم إنْ دخلْتَ في دين ابن أخيك؛ فقد جعل ابنك أميراً عليك (١) .

نكتة:

جاء في بعض النصوص التاريخيّة والحديثيّة: أنّ نزاعاً وقع بين الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) والعبّاس بن عبد المطّلب بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على إرثه، فزعَم العبّاس أنّ أموال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) له؛ فتحاكما إلى أبي بكر، فخاطب أبو بكر العبّاس مشيراً إلى يوم الدار، وقال:

(أُنشدك الله، هل تعلم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جمع بني عبد المطّلب وأولادهم وأنت فيهم، وجمعكم دون قريش فقال: يا بني عبد المطّلب! إنّه لم يبعث الله نبيّاً إلاّ جعل له من أهله أخاً ووزيراً ووصيّاً وخليفةً في أهله، فمَن يقوم منكم يبايعنى على أنْ يكون أخي ووزيري ووصيّي وخليفتي في أهلي؟... فقام عليّ من بينكم فبايعه على ما شرط له ودعاه إليه. أتعلم هذا له من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ قال: نعم) (٢) .

____________________

(١) الإرشاد: ١ / ٤٨، كشف اليقين: ٤٧ / ٢٥، إعلام الورى: ١ / ٣٢٢، السيرة الحلبيّة: ١ / ٢٨٦.

(٢) تاريخ دمشق: ٤٢ / ٥٠ / ٨٣٨٢، شواهد التنزيل: ١ / ٥٤٥، نهج الإيمان: ٢٤٠، شرح الأخبار: ١ / ١٢٢ / ٥٠، الاحتجاج: ١ / ٢٣٠ / ٤٣، الدرجات الرفيعة: ٩١، بشارة المصطفى: ٢٢٠.

حيث يُستشفّ من هذا الخبر أنّ أبا بكر كان يعرف قضيّة (إنذار العشيرة)، ويعلم ويعترف بها ويراها حجّةً. وأصل هذه الحادثة وطرح الدعوى بالشكل المذكور يثير التساؤل، فالنقطة التي لم يُلْتَفَتْ إليها هي: لماذا رجع الإمام (عليه السلام) وعمّه العبّاس إلى الخليفة؟ وهل هذا الخلاف صحيح من أساسه؟ فقد كان للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) عند وفاته بنت، وزوجات أيضاً، فلا نصيب للعمّ وابن العمّ حتى يدّعيا الإرث... ومن الواضح أنّ أمواله (صلّى الله عليه وآله) تؤول إلى بنته الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وبعد استشهادها تنتقل إلى أولادها، فأصل ادّعاء العبّاس بن عبد المطّلب لا يصحّ، فلِمَ ادّعى ذلك إذن، وتحاكم إلى الخليفة؟!.

نُقل عن أبي رافع أنّ العبّاس قال لأبي بكر بعد كلامه المذكور:

(فما أقعدك مجلسك هذا؟ تقدّمته وتأمّرت عليه! فقال أبو بكر: أغدراً يا بني عبد المطّلب!) (١) .

نفهم من هذا النصّ أنّ العبّاس قد افتعل بذكاء هذا الموضوع؛ ليُذكِّر أبا بكر بمَن هو أهل للخلافة، وينبزه بابتزازها. ومثل هذه التصرّفات كانت تنتشر وتشتهر بسرعة؛ لمكانة العبّاس ومنزلته. وهكذا أيضاً كان حوار عبد الله بن عبّاس وعُمَر بن الخطّاب، فقد ذَكَّر ابنُ عبّاس عُمَر بأهليّة الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) للخلافة، فغضب عمَر، وقال: (إليك يا بن عبّاس! أتريد أنْ تفعل بي كما فعل أبوك وعليّ مع أبي بكر يوم دخَلا عليه؟) (٢) .

____________________

(١) المناقب لابن شهر آشوب: ٣ / ٤٩، المسترشد: ٥٧٧ / ٢٤٩.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ١٤٩.

تحريف التاريخ في قضيّة المؤازرة

إنّ ما أوردناه هو عين ما نقله المؤرّخون، والمحدّثون، والمفسّرون بطُرُق مختلفة وأسانيد متنوّعة، وسيأتي في الصفحات القادمة (١)، وهو ما ذكره الطبري أيضاً في تاريخه مفصّلاً، بَيد أنّه في تفسيره بعد أنْ نقل الرواية بنفس السند الوارد في تاريخه، غيّر فيها فقال: (على أنْ يكون أخي وكذا وكذا (بدل) على أنْ يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم)، وأباح لنفسه تحريف الكلام النبوي وهو يواصل كلامه، فقال: (إنّ هذا أخي وكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوه (مكان) إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؛ فاسمعوا له وأطيعوه)! (٢).

____________________

(١) ذكَر العلاّمة الأمين رضوان الله عليه الصوَر المختلفة لنقل الحادثة في موسوعته الثمينة النفيسة (الغدير)، وناقش أسنادها وما دلّ عليها. والأخبار في ذلك ثابتة راسخة لا تقبل الترديد، انظر الغدير: ٢ / ٢٧٨ - ٢٨٩، ويعود ذلك حتماً إلى أنّ أعداء الحقّ تطاوَلوا على تحريفها، أو أنّهم أكرهوا المؤرّخين على ذلك.

(٢) تفسير الطبري: ١١ / الجزء ١٩ / ١٢٢.

ومن الطبيعي أنْ يكون نقل الطبري مثاراً للتساؤل ومدعاة للتأسّف! والتأمّل فيه يدلّ على أنّه كان مُكرَهاً متحكَّماً فيه، وإلاّ فماذا يعني قوله: (إنّ هذا أخي وكذا وكذا، فاسمعوا له...)؟! عِلماً أنّ قوله: (فاسمعوا له وأطيعوه) ينطوي على مكنون سِرّ يُشعِر بحذف لروح الكلام ولُبابه!.

وقد حذا ابن كثير حذْو الطبري أيضاً، فنقل ذلك في تفسيره، وتاريخه، وسيرته النبويّة بالنحو الذي أورده الطبري في تفسيره، أي بشكلِه المقطّع، وهذا ما يُثير الدهشة والعجب؛ إذ إنّ (تاريخ الطبري) أهمّ مصدر ومرجع اعتمد عليه ابن كثير في (البداية والنهاية) (١) .

وذكر الكاتب المصري محمّد حسين هيكل تلك الحادثة في الطبعة الأُولى من كتابه (حياة محمّد)، مع حذف لمواضع منها، لكنّه حذَف الخبر كلّه في الطبعة الثانية وما تلاها من طبعات! (٢). وحاول ابن تيميّة أيضاً أنْ يطعن في السنَد، وأحياناً في المتن، وامترى في أصل الحادثة، وقد رُدَّ عليه بأجوبة مفصّلة (٣).

____________________

(١) البداية والنهاية: ٣ / ٤٠، تفسير ابن كثير: ٦ / ١٨٠، السيرة النبويّة لابن كثير: ١ / ٤٥٩.

(٢) حياة محمّد الطبعة الأُولى: ١٠٤ وقارنه مع الطبعة الثانية: ١٤٢.

(٣) تناول العلاّمة المظفّر، والأستاذ السيّد جعفر مرتضى العاملي هذا الموضوع مفصّلاً. انظر دلائل الصدق: ٢ / ٢٣٤ فما بعدها، والصحيح من سيرة النبيّ: ٣ / ٦٥.

-->

Post on Facebook Add to your del.icio.us Digg this story StumbleUpon Twitter :شارك على
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

المزيد من المقالات

(8 منشور)

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha